عِلْمُ الْمِيرَاثِ
الْمِيرَاثُ الْإِسْلَامِيُّ (الْفَرَائِضُ) نِظَامٌ دَقِيقٌ بَيَّنَهُ الْقُرْآنُ. وَرَدَتِ الْأَنْصِبَةُ الرَّئِيسِيَّةُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ 4:11-12، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: "تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ" (النِّسَاءُ 4:13). وَتَوْزِيعُ التَّرِكَةِ بِهَذِهِ الْأَنْصِبَةِ وَاجِبٌ وَعَدْلٌ.
كَيْفَ يَعْمَلُ الْحِسَابُ
بَعْدَ سَدَادِ دُيُونِ الْمُتَوَفَّى وَتَنْفِيذِ أَيِّ وَصِيَّةٍ صَحِيحَةٍ (فِي حَدِّ الثُّلُثِ، وَلَا تَكُونُ لِوَارِثٍ)، يُقَسَّمُ الْبَاقِي. يَأْخُذُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فُرُوضًا مُقَدَّرَةً، مِثْلَ النِّصْفِ أَوِ الرُّبْعِ أَوِ السُّدُسِ، وَتَنْتَقِلُ الْبَقِيَّةُ إِلَى الْعَصَبَةِ. وَقَدْ يَحْجُبُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بَعْضًا. فَإِنْ زَادَتِ الْفُرُوضُ عَلَى التَّرِكَةِ خُفِّضَتْ تَنَاسُبِيًّا (الْعَوْلُ)، وَإِنْ بَقِيَ فَائِضٌ وَلَا يُوجَدُ عَاصِبٌ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ (الرَّدُّ).
دَلِيلٌ لِلِاسْتِرْشَادِ، وَلَيْسَ فَتْوَى
تَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْحَاسِبَةُ الْحَالَاتِ الشَّائِعَةَ: الزَّوْجَ أَوِ الزَّوْجَةَ، وَالْأَوْلَادَ، وَالْوَالِدَيْنِ، وَالْجَدَّاتِ، وَالْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ الْأَشِقَّاءَ أَوْ لِأُمٍّ، وَذَلِكَ وَفْقَ الْأَحْكَامِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ السُّنِّيَّةِ. وَلَا تُغَطِّي كُلَّ صُورِ الْمَسْأَلَةِ، مِثْلَ مِيرَاثِ الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ، أَوِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِأَبٍ، أَوْ أَوْلَادِ الْأَبْنَاءِ، كَمَا تَخْتَلِفُ الْمَذَاهِبُ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ. أَكِّدِ التَّوْزِيعَ النِّهَائِيَّ دَائِمًا مَعَ عَالِمٍ مُؤَهَّلٍ أَوْ جِهَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِالْمِيرَاثِ الْإِسْلَامِيِّ قَبْلَ الْعَمَلِ بِهِ.
لِمَاذَا الْأَنْصِبَةُ مُقَدَّرَةٌ؟
الْمِيرَاثُ مِنَ الْمَوَاضِعِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي شَرَّعَ فِيهَا الْقُرْآنُ بِالْأَرْقَامِ: كُسُورٌ مُحَدَّدَةٌ لِلْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجَيْنِ وَالْأَوْلَادِ، فُصِّلَتْ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَخُتِمَتْ بِالتَّذْكِيرِ بِأَنَّهَا حُدُودُ اللَّهِ. وَتَظْهَرُ الْحِكْمَةُ فِيمَا يَمْنَعُهُ هَذَا النِّظَامُ. فَلِأَنَّ الْأَنْصِبَةَ مُقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ لَا بِإِرَادَةِ الْمَيِّتِ، لَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُ الْمَالِ بِالْمُحَابَاةِ وَلَا حَجْبُهُ عَنِ الْبَنَاتِ أَوِ الزَّوْجَاتِ أَوِ الْوَالِدَيْنِ الْمُسِنَّيْنِ؛ فَكُلُّ وَارِثٍ ذِي حَقٍّ يَصِلُ إِلَى التَّرِكَةِ وَهُوَ مَالِكٌ سَلَفًا لِنَصِيبٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا. وَقَدْ عَدَّ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْعِلْمَ نِصْفَ الْعِلْمِ وَحَثُّوا عَلَى تَعَلُّمِهِ لِأَنَّهُ يَحْمِي أَضْعَفَ الْوَرَثَةِ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي تَشْتَدُّ فِيهَا الْعَوَاطِفُ وَالْمَصَالِحُ - الْأَيَّامِ الَّتِي تَلِي الْوَفَاةَ.
اِسْتِخْدَامُ هَذِهِ الْحَاسِبَةِ
اِخْتَرْ مَنْ بَقِيَ بَعْدَ الْمُتَوَفَّى - الزَّوْجَ أَوِ الزَّوْجَةَ وَالْأَبْنَاءَ وَالْبَنَاتِ وَالْوَالِدَيْنِ وَالْإِخْوَةَ فِي الْحَالَاتِ الشَّائِعَةِ - فَتُطَبِّقُ الْحَاسِبَةُ الْكُسُورَ الْقُرْآنِيَّةَ الْمُقَدَّرَةَ، عَامِلَةً بِالْحِسَابِ الدَّقِيقِ لَا بِالْعُشْرِيَّاتِ الْمُقَرَّبَةِ، حَتَّى يَجْتَمِعَ السُّدُسُ وَالثُّمُنُ وَنَحْوُهُمَا بِلَا انْحِرَافٍ. وَيُعْرَضُ كُلُّ وَارِثٍ بِكَسْرِهِ وَنِسْبَتِهِ الْمِئَوِيَّةِ، وَإِنْ أَدْخَلْتَ قِيمَةَ التَّرِكَةِ فَبِالْمَبْلَغِ لِكُلِّ شَخْصٍ. اِسْتَعْمِلْهَا لِفَهْمِ حَالٍ عَائِلِيَّةٍ، أَوْ لِمُرَاجَعَةِ حِسَابِ الْوَصِيِّ، أَوْ لِتَعْلِيمِ هَذَا الْعِلْمِ بِأَمْثِلَةٍ حَيَّةٍ. أَمَّا التَّرِكَاتُ الْحَقِيقِيَّةُ - وَلَا سِيَّمَا مَعَ الدُّيُونِ أَوِ الْوَصَايَا أَوْ تَرْكِيبَاتِ الْوَرَثَةِ الْأَقَلِّ شُيُوعًا - فَخُذْ نَتِيجَتَهَا إِلَى عَالِمٍ، فَالْحُكْمُ الْأَخِيرُ هُنَاكَ.